حين تأتي الصدمة من الأحبة
حين تأتي الصدمةُ من أعزِّ الناسِ،
لا تسقطُ دمعةٌ من العين فقط،
بل يسقطُ شيءٌ عميقٌ في القلب،
شيءٌ لا يراه أحد، ولا يسمع صوتَ انكساره أحد.
أحببتُهم كما لا يُحبُّ إنسانٌ إلا من وثق بهم،
وضعتُ بين أيديهم قلبي بلا خوف،
ورأيتُ فيهم الأمانَ حين ضاقت بي الحياة،
فإذا بالأمانِ نفسه يتحولُ إلى جرح.
ما كنتُ أخافُ غريبًا،
فالغريبُ لا يعرفُ مواضعَ الضعفِ فينا،
ولا يعرفُ أيَّ كلمةٍ تستطيعُ أن تهدمَ أعوامًا من الصبر،
لكنَّ الطعنةَ حين تأتي من قريب،
تأتي وهي تعرفُ أين تضرب.
صبرتُ...
ثم صبرتُ أكثر،
وكنتُ أقول: لعلَّهم لم يقصدوا،
ولعلَّ الأيامَ تصلحُ ما أفسدته اللحظات،
ولعلَّ القلوبَ التي أحببتُها ستشعرُ يومًا بما فعلت.
لكنني اكتشفتُ أن بعضَ الجراح
لا تحتاجُ إلى سكين،
يكفيها موقفٌ واحد،
وكلمةٌ واحدة،
وخيانةُ ثقةٍ واحدة،
حتى يتغيّر فينا شيءٌ إلى الأبد.
تغيّرتُ... نعم، تغيّرتُ كثيرًا.
لم أعدُ ذلك الإنسانَ الذي يمنحُ قلبه بسهولة،
ولا الذي يثقُ بكلِّ ابتسامة،
ولا الذي يصدقُ كلَّ كلمةٍ جميلة.
أضحكُ أمام الناس،
وأبدو بخير،
لكنَّ في داخلي حكايةً لا يعرفها أحد،
ليلٌ طويلٌ من الأسئلة،
وذكرياتٌ تعودُ كلما ظننتُ أنني شُفيت.
أحيانًا أسألُ نفسي:
كيف استطاعَ من أحببتُهم
أن يكونوا هم سببَ الألمِ الذي كنتُ أهربُ منه؟
وأحيانًا ألومُ قلبي،
لأنني أحببتُ بصدق،
وثقتُ بصدق،
وأعطيتُ أكثرَ مما يجب.
لكنني اليوم لا أندمُ على طيبةِ قلبي،
ولا على حبٍّ منحتهُ يومًا بصدق.
فالعيبُ ليس في قلبٍ أحبَّ،
ولا في إنسانٍ كان وفيًّا،
إنما العيبُ فيمن عرفَ قيمةَ هذا الوفاء
ثم اختارَ أن يكسره.
لن أكرهَ من أحببتُهم،
ولن ألاحقَ من خذلني،
ولن أطلبَ من أحدٍ أن يفهمَ وجعي.
سأتركُ كلَّ شيءٍ لله،
فهو وحده يعلمُ ما أخفيه خلفَ صمتي،
ويعلمُ كم مرةٍ ابتسمتُ وأنا من الداخلِ محطم.
سأجمعُ ما تبقّى من قلبي،
وأتعلمُ أن أحبَّ نفسي كما أحببتُ الآخرين،
وأن أضعَ حدودًا لمن لا يعرفُ قيمةَ وجودي،
وأن أرحلَ عن كلِّ مكانٍ يجعلني أشعرُ أنني لا أساوي شيئًا.
فأنا لم أكن ضعيفًا...
كنتُ صادقًا أكثرَ مما ينبغي،
وأحببتُ أكثرَ مما يحتملُ قلبي،
ومنحـتُ الثقةَ لمن لم يعرفوا كيف يحافظون عليها.
وسأبدأُ من جديد،
لا لأنني نسيتُ ما حدث،
بل لأنني تعلّمتُ منه.
وإذا سألوني يومًا:
ماذا فعلت بك صدماتُ الأحبة؟
سأقول:
كسرتني... نعم،
لكنها علّمتني أن أُحبَّ دون أن أفقدَ نفسي،
وأن أثقَ دون أن أُسلّمَ قلبي،
وأن أرحلَ حين يصبحُ البقاءُ إهانةً لروحي.
وفي آخرِ الليل،
حين لا يبقى معي إلا الله،
سأقول لنفسي:
لستُ ضعيفًا...
أنا فقط إنسانٌ أحبَّ كثيرًا،
ووَثِقَ كثيرًا،
وتألّمَ أكثرَ مما ينبغي،
لكنني سأعودُ يومًا أقوى،
ليس لأنني لم أنكسر،
بل لأنني تعلّمتُ كيف أنهضُ من انكساري.
شكراً على تفاعلكم معنا