عقلٌ في ثوبِ مجنون
بقلم المهندس محمد عبدالحميد الفودعي
قالوا عنّي مجنونٌ وما عرفوا ما أكونْ
فالجنونُ جرأةُ حرٍّ في زمنٍ ضاعَ فيه الظنونْ
قالوا: خالفتَ دربَ الناسِ… قلتُ: بل اخترتُ عيونْ
لو أنني سرْتُ كالمغلوبِ ما نجوتُ من الهونْ
قالوا: تمردتَ يومًا… قلتُ: بل أنقذتُ الشجونْ
ما عاد يخدعني سرابٌ… أو يُغري القلبَ الفتونْ
وقومي إذا طالَ سباتهمْ… أوقظتُ فيهمْ ما يخونْ
ورفعتُ صوتي صادقًا… كي ينهضَ الحقُّ المدفونْ
أنا الذي إن ضاقَ دربٌ… شيّدتُ للدربِ الحصونْ
وإذا تكاثرَ ظالمٌ… ثبتُّ صامدًا… لا ألقي السكونْ
دعهم يقولوا ما أرادوا… فوجهي الصلبُ يصونْ
وسأرسمُ الدربَ الذي يعلو… ويُجلي كلَّ ظنّْ
وسأمضي رغمَ أعينهمْ… ترمي سهامًا لا تُصانْ
ما هزَّني خوفٌ… ولا أخمدتُ في صدري السنانْ
قلبي إذا ضاقتْ لياليه… زادَ الضياءَ المستبانْ
وأعادَ للدربِ اشتعالًا… يبعثُ العزمَ المكنونْ
هذا أنا… لا أنحني… ولو انحنى طولُ الزمانْ
فالحقُّ يظهرُ صادقًا… ولو تواطأَ ألفُ عونْ
قد قالوا مجنونٌ… نعمْ… فبجنوني يسمو الشانْ
ومن استقامَ على المبادئِ… لم يخسرِ الدربَ المصونْ
وأحفظُ الحلمَ الذي عاشتْ لهُ روحيَ ترعانْ
وأشدُّ أزرَ عزيمتي… كي لا تذوبَ مع الشجونْ
فالجرحُ إن صاحَ اشتعلْ… وأضاءَ في صدري السكونْ
والصوتُ إن ضاعَ ارتفعْ… حتى يُزلزلَ من يخونْ
أنا ابنُ حزنٍ لا يلينْ… لكنّهُ لا يستكينْ
أصنعُ من ضعفي قلاعًا… ترتقي فوقَ الظنونْ
حتى إذا اشتدَّ الظلامُ… وانهزمَ الليلُ الجنونْ
قمتُ أقاومُ وحدتي… وأردُّ عن نفسي الظنانْ
يا من رماني بالسفاهةِ… وبأنّ عقلي قد يُجَنّْ
لو أبصرتَ ما في خافقي… لخجلتَ من ذاكَ الظنانْ
فامضِ بثباتٍ يا نفسي… فالفجرُ مولودٌ حنونْ
وسيسجّلُ التاريخُ يومًا:
من سُمّيَ المجنونَ… صارَ العقلَ الموزونْ

شكراً على تفاعلكم معنا