التَّرغيب.في.الوَقَار.
أولًا : في القرآن الكريم :
● قال تبارك وتعالى : " وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا " [الفرقان: 63] .
في هذه الآية الكريمة يصف الله عباده المكرمين ، وأولياءه الصَّالحين ، فكانت أوَّل صفة امتدحهم بها الله تبارك وتعالى هي صفة الوَقَار ،(والمعنى : أنَّهم يمشون بسكينة ووقار وتواضع ، لا يضربون بأقدامهم ، ولا يَخَفْقِون بنعالهم أشَرًا وبطَرًا). [الكشاف للزمخشرى] .
📚 قال ابن كثير : هذه صفات عباد الله المؤمنين " الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا " [الفرقان: 63] أي : بسكينة ووقار من غير جبريَّة ولااستكبار، كما قال : " وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً " [الإسراء: 37] فأمَّا هؤلاء فإنَّهم يمشون منغير استكبار ولا مَرَح ، ولا أشَرٍ ولا بَطَرٍ ، وليس المراد أنَّهم يمشون كالمرْضَى مِن التَّصانع تصنُّعًا ورياءً ، فقد كان سيِّد ولد آدم صلى الله عليهوسلم إذا مشى كأنَّما ينحطُّ من صَبَب ، وكأنَّما الأرض تُطوى له ، وقد كره بعض السَّلف المشي بتضعُّف وتصنُّع ، حتى رُوي عن عمر أنَّه رأىشابًّا يمشي رويدًا ، فقال : ما بالك ؟ أأنت مريض ؟ قال : لا، يا أمير المؤمنين! فعلاه بالدِّرَّة ، وأمره أن يمشي بقوَّة ، وإنَّما المراد بالهَوْن - هاهنا - : السَّكينة والوَقَار) [تفسير ابن كثير].
ثانيًا : في السُّنَّة النَّبويَّة :
● عن عائشة رضي الله عنها قالت : ((ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعًا قطُّ ضاحكًا ، حتى تُرى منه لهواته ، وإنَّما كانيتبسَّم)). [رواه البخارى ومسلم].
📚 هذا الحديث ذكره النَّوويُّ تحت باب الوَقَار والسَّكينة في كتابه ((رياض الصَّالحين)) ، وقد قال الشَّيخ ابن عثيمينمُعلِّقًا : (يعني : ليس يضحك ضَحِكًا فاحشًا بقهقهة ، يفتح فمه حتى تبدو لَهاته ولكنَّه صلى الله عليه وسلم كان يبتسم أو يضحك حتى تبدونواجِذه ، أو تبدو أنيابه ، وهذا من وَقَار النَّبي صلى الله عليه وسلم ، ولهذا تجد الرَّجل كثير الكَرْكَرة - الذي إذا ضحك ، قهقه وفتح فاه - يكونهيِّنًا عند النَّاس ، وضيعًا عندهم، ليس له وقار ، وأمَّا الذي يُكثر التَّبسُّم في محله ، فإنَّه محبوبٌ ، تنشرح برؤيته الصُّدور ، وتطمئنُّ به القلوب)[شرح رياض الصالحين].
📚 قال ابن حجر : (والذي يظهر من مجموع الأحاديث : أنَّه صلى الله عليه وسلم كان - في مُعْظَم أحواله - لا يزيد على التَّبسُّم ، ورُبَّـمازاد على ذلك ، فضحك ، والمكروه من ذلك إنَّما هو الإكثار منه أو الإفراط فيه ؛ لأنَّه يُذهب الوَقَار). [فتح البارى] .
● عن عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال : ((إنَّ الهَدي الصَّالح والسَّمت الصَّالح والاقتصاد جُزءٌ منخمسة وعشرين جزءًا من النُّبوَّة)). [حسنه الألبانى فى صحيح سنن أبى داود] .
أي : أنَّ هذه الأخلاق الكريمة هي من صفات الأنبياء وآدابهم ، لذا طُلب من أتباع الأنبياء أن يقتدوا بهم ، وأن يأخذوا بهذه الخصال الكريمة، فالمقصود أنَّهم يتَّبعونهم ، ويسيرون على منهجهم، ويقتدون بهم في الأخلاق والأفعال والسِّمات والهدي والوَقَار ، فالهدي الصَّالح هوالطَّريقة الصَّالحة ، ويقال : هَدْي الرَّجل : حاله ومذهبه ، أي : الحالة والطَّريقة التي هو عليها ، والسَّمت : الهيئة الحسنة ، والوَقَار والسَّكينةالتي تكون فيه.
أقوال.السَّلف.والعلماء.في.الوَقَار.tt
● قال ذو النُّون : (ثلاثةٌ من أعلام الوَقَار : تعظيم الكبير ، والتَّرحُّم على الصَّغير ، والتَّحلُّم على الوضيع). [شعب الإيمان ،للبيهقى].
● عن عمران بن مسلم أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه قال : (تعلَّموا العلم ، وعلِّموه النَّاس ، وتعلَّموا له الوَقَار والسَّكينة ، وتواضعوالمن يعلِّمكم عند العلم ، وتواضعوا لمن تعلِّموه العلم ، ولا تكونوا جبابرة العلماء ، فلا يقوم علمكم بجهلكم). [رواه البيهقى فى شعب الإيمان].
● قال ابن مفلح : وفي التَّفسير : " وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ " [الأعراف: 26] قالوا : الحياء ، وقالوا : الوَقَار من الله ، فمن رزقه الله الوَقَار، فقد وَسَمَهبسِيما الخير، وقالوا : من تكلَّم بالحكمة لاحظته العيون بالوَقَار. [الآداب الشرعية].
● قام جرير بن عبد الله رضي الله عنه ، يوم مات المغيرة بن شعبة، رضي الله عنه، فحَمِد الله وأثنى عليه ، وقال : (عليكم باتِّقاء الله وحدهلا شريك له ، والوَقَار والسَّكينة حتى يأتيكم أمير ، فإنَّما يأتيكم الآن ، ثمَّ قال : استعفوا لأميركم ؛ فإنَّه كان يحبُّ العفو). [رواه البخارىومسلم] .
من.فوائد.الوَقَار.tt
1- الوقار علامة على وجود الحياء ، قال ابن حجر : (أنَّ من الحياء ما يحمل صاحبه على الوَقَار ، بأن يوقِّر غيره، ويتوقَّر هو في نفسه ،ومنه ما يحمله على أن يَسكن عن كثيرٍ ممَّا يتحرَّك النَّاس فيه من الأمور التي لا تليق بذي المروءة) [فتح البارى] .
2- الوَقَار يكسو الرَّجل هيبةً وبهاءً ، ويعطيه سَمْتًا حسنًا ، وهذا داعية لسماع قوله ، وقبول نصحه ، واحترامه وتقديره.
3- الوَقَار يصون العبد عن المنكرات والرَّذائل ، والاحتكاك بما يدنِّس بالنَّفس ، ويقلِّل من هيبتها ومكانتها .
4- الوَقَار عزٌّ لصاحبه في الدُّنْيا والآخرة.
من.موانع.اكتساب.صفة.الوَقَار.tt
1⃣ المجاهرة بالمعاصي ، قال الحكيم : (إذا استُخِفَّ بالمحقَّرات ، دخل التَّخلط في إيمانه ، وذهب الوَقَار ، وانتقص من كلِّ شيء بمنزلةالشَّمس ينكسف طرف منها ، فبقدر ما انكسف -ولو كرأس إبرة- يُنقص من شعاعها وإشراقها على أهل الدُّنيا ، وخلص النُّقصان إلى كلِّشيء في الأرض ، فكذا نور المعرفة ينقص بالذَّنب على قَدْره، فيصير قلبه محجوبًا عن الله ، فزوال الدُّنيا بكُلِّيتها أهون من ذلك ، فلا يزالينقص ويتراكم نقصانه وهو أبله لا ينتبه لذلك ، حتى يستوجب الحرمان) [فيض القدير ،للمناوى].
2⃣ الحُمق ، وحقيقته كما قال ابن الأثير : (وضع الشَّيء في غير موضعه مع العلم بقُبحه) [النهاية فى غريب الحديث والأثر].
3⃣ الغَضَب ، قال أهل العلم : (اتَّقوا الغَضَب ؛ فإنَّه يفسد الإيمان ، كما يُفسد الصَّبر العسل) [مختصر منهاج القاصدين ، للمقدسى] فالغَضَب يؤثِّر على البدن حتى يُعمِي البصر ، ويُصِمُّ الآذان ، ويخرِس اللِّسان ، ويُعجِز الإنسان ؛ فيُفقِده الوَقَار.
4⃣ كثرة المزَاح : فالإكثار من المزاح يؤدِّي إلى سقوط الوَقَار ، فقد قال عمر رضي الله عنه : (مَن مَزَح استُخِفَّ به).
من الوسائل المعينة على التَّحلِّي بالوَقَار
1⃣ السَّكينة ، فإنَّها تُثمر الخشوع ، وتَجْلب الطُّمَأنينة ، وتُلبس صاحبها ثوب الوَقَار.
قال ابن القيِّم : (السَّكينة إذا نزلت على القلب اطمأنَّ بها ، وسكنت إليها الجوارح ، وخشعت ، واكتسبت الوَقَار ، وأنطقت اللِّسان بالصَّوابوالحكمة ، وحالت بينه وبين قول الخَنَا والفحش واللَّغو والهُجْر وكلِّ باطل). [مدارج السالكين].
2⃣ اتِّباع آثار الأنبياء والصَّالحين الذين تحلَّوْا بالوَقَار ، عن عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ نبي الله صلى الله عليه وسلمقال : ((إنَّ الهدي الصَّالح والسَّمت الصَّالح والاقتصاد جزءٌ من خمسة وعشرين جزءًا من النُّبوَّة)). [حسنه الألبانى فى صحيح سنن أبىداود].
3⃣ الخشوع في الطَّاعات ، والإكثار من الصَّالحات.
4⃣ طلب العلم ، عن الحسن قال : (قد كان الرَّجل يطلب العلم، فلا يلبث أن يُرى ذلك في تخشُّعه ، وهديه ، ولسانه ، وبصره ، وبرِّه). [شعبالإيمان ،للبيهقى] .
5⃣ البعد عن الغَضَب ، والطَّيش والنَّزَق ؛ فإنَّ ذلك ينافي الوَقَار والهيبة ، وقال طاهر بن الحسين يوصي ابنه عبد الله : (واملك نفسكعن الغَضَب وآثِر الوَقَار والحِلْم ، وإيَّاك والحدَّة والطَّيش والغرور فيما أنت بسبيله) [تاريخ الطبرى] .
6⃣ تعظيم الحرمات.
نماذج من وقار الأنبياء عليهم السَّلام
🔘 النَّبي محمد صلى الله عليه وسلم :
النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يتصف بالوقار ، وكان نموذجًا يقتدى به، ففي وصف أمِّ معبد للنَّبي صلى الله عليه وسلم قالت : (إن صَمَتفعليه الوَقَار ، وإن تكلَّم سَمَاه وعلاه البهاء ، أجمل النَّاس وأبْهَاه من بعيد ، وأحسنه وأجمله من قريب، حُلْو المنْطِق ، فصلًا لا نَزْر ولا هَذَر ،كأن مَنْطِقه خرزات نظمٍ يتحدَّرن ، رَبْعة). [أخرجه الحاكم فى المستدرك وقاللإسناده صحيح] .
نماذج من وقار الصَّحابة رضي الله عنهم
أبو.بكر.الصِّدِّيق.رضي.الله.عنه.tt
● قال عمر رضي الله عنه : (كان أبو بكر رضي الله عنه يوم السَّقيفة أحلم منِّي وأَوْقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلَّا قالفي بديهته مثلها أو أفضل منها ، حتى سكت... الحديث). [رواه البخارى واللفظ له ومسلم] .
حكمٌ.وأمثالٌ.عن.الوَقَار.tt
● قال بعض البلغاء : (الزم الصَّمت ؛ فإنَّه يُكسبك صفو المحبَّة ، ويُؤمِّنك سوء المغبَّة ، ويُلبسك ثوب الوَقَار ، ويكفيك مئونة الاعتذار).
● وقال بعض الفُصَحاء : (اعقل لسانك إلَّا عن حقٍّ توضِّحه ، أو باطلٍ تدحضه ، أو حكمةٍ تنشرها ، أو نعمةٍ تذكرها) .
● وقال حكيم : (ليس التَّاج الذي يفتخر به علماء الملوك فضة ولا ذهبًا ، لكنَّه الوَقَار المكلَّل بجواهر الحِلْم ، وأحقُّ الملوك بالبسطة عند ظهورالسَّقطة ، من اتَّسعت قدرته). [محاضرات الأدبار ، للراغب الصفهانى] .
● وقالوا : (إنَّ رداء الوَقَار والحِلْم ، أَزْيَن ما تعطَّف به ذو العلم ، فتحلَّم وتوقَّر وإن لم يكونا من جَدَائلك). [مقامات الزمخشرى].
شكراً على تفاعلكم معنا